عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
179
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
عزّ الدين بن عبد السلام رضي اللّه عنه سئل بعد موته في منام رآه السائل ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى ؟ فقال هيهات ، وجدت الأمر بخلاف ما كنت أظنّ ، رحمه اللّه تعالى . ( الحكاية التاسعة والخمسون بعد المئة : عن صالح المرى رضي اللّه عنه ) قال : أقبلت ليلة جمعة إلى الجامع لأصلى فيه صلاة الفجر ، فمررت بمقبرة ، فجلست عند قبر فغلبتني عيني ، فنمت ، فرأيت في نومى كأن أهل المقبرة قد خرجوا من قبورهم ، فقعدوا حلقا حلقا يتحدثون وإذا بشاب عليه ثياب دنسة قعد في جانب المقبرة مغموما مهموما فريدا بنفسه ، فلم يلبثوا إلا ساعة حتى أقبلت ملائكة على أيديهم أطباق مغطاة بمناديل كأنهن من نور ، فكلما جاء أحدا منهم طبقا ، أخذه ودخل في قبره ، حتى بقي الفتى في آخر القوم فلم يأته شئ ، فقام حزينا ليدخل في قبره ، فقلت له يا عبد اللّه مالي أراك حزينا ، وما الذي رأيت ؟ قال يا صالح هل رأيت الأطباق ؟ قلت نعم فما هي ؟ قال تلك صدقات الأحياء ودعاؤهم لموتاهم ، يأتيهم ذلك في كل ليلة جمعة ويومها . ثم ذكر كلاما طويلا ذكر فيه أن له والدة اشتغلت عنه بالدنيا وتزوجت والتهت ، وإنه يحق له أن يحزن ، إذ ليس له من يذكره ، فسأل صالح عن منزل والدته أين هو ؟ فوصف له الموضع ؛ فلما أصبح صالح ذهب وسأل عنها ، فأرشد إليها ، فكلمها من خلف الستر ، وقص عليها القصة ، فبكت حتى تحدرت دموعها على خدها ، ثم قالت يا صالح ذاك ولدى وفلذة من كبدي ، ومن كان بطني له وعاء ، وثديى له سقاء ، وحجري له حواء ، قال : ثم دفعت إلىّ ألف درهم وقالت لي : تصدق بها على حبيبي وقرة عيني ، ولست أنساه من الدعاء والصدقة في باقي عمرى إن شاء اللّه تعالى ، قال فتصدقت بالألف عنه ؛ فلما كان في يوم الجمعة الأخرى أقبلت أريد الجامع ، فأتيت المقبرة واستندت على قبر فخفقت برأسى ، وإذا بالقوم قد خرجوا ، وإذا بالفتى عليه ثياب بيض وهو فرح مسرور ، فأقبل نحوى حتى دنا منى وقال يا صالح ، جزاك اللّه عنى خيرا ، قد وصلت إلىّ الهدية قلت له أنتم تعرفون يوم الجمعة ؟ قال نعم ، وإن الطيور في الهواء لتعرفه وتقول : سلام سلام ليوم صالح ، يعنى يوم الجمعة أعاد اللّه علينا من بركته .